السيد كمال الحيدري
453
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
مأخوذة على نحو الولاية التكوينية المؤثّرة في الوجود أم أنها ذات طبيعة أُخرى مغايرة ؟ مرَّت بنا تحقيقات في الولاية الإلهية على المستويين التشريعي والتكويني ، وقد ذكرنا بأنَّ القدر المُتيقَّن منها في الفقرة الأُولى من المقطع الثاني هو الولاية التكوينية ، وعليه فبمقتضى المقابلة بين الولاية الإلهية والولاية الطاغوتية تكون الولاية الطاغوتية تكوينية أيضاً ، وبتبعه يكون الإخراج كذلك . ويُمكن تصوير هذه الولاية التكوينية الطاغوتية من خلال ما تقدم من إشارات حول الهيمنة التي يُمارسها الطاغوت على مقدَّرات الذين اتخذوه وليّاً لهم ، وبحسب التعبير القرآني : ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلَّا قَلِيلًا ) ، والاحتناك تعبير آخر عن الهيمنة والمكنة من التصرّف ، وقد صوَّر لنا القرآن الكريم هذا التصرّف التكويني للطاغوت في مواليه في قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ . . . ( البقرة : 275 ) ، والذي يتخبّطه الشيطان يكون أسيراً له محكوماً له ، فيكون ذلك أشبه بحالة الإدمان على الموبقات ، فالمدمن تتخبّطه المسكرات بنحو لا يملك إرادة فاعلة تجاه ذلك ، رغم أنه يعلم بسوء ما عليه ، وهكذا في المقام ، فإنَّ الذي يتخبّطه الشيطان يعلم بأنَّ الشيطان عدوٌّ حقيقيٌّ له ، ولكنه ضعيف أمامه فاقد للإرادة ، وهذا الضعف والفقد من المستويات العميقة للظلمات التي أُخرج المؤمن منها . وبحسب فهمنا فإنَّ حالات الإدمان المنتشرة سببها الأوّل هو ضعف الحالة الإيمانية لدى المدمن ، فالمدمن يحتاج إلى إنقاذ حقيقي ، وهذا الإنقاذ قد يكون محدوداً قصير المدى فيأخذ الطابع الصوري ، وهو ما تتكفَّل بها الأدوية الكيميائية ، وقد يكون الإنقاذ جذرياً ، وهو ما تتكفَّل به الحالة الإيمانية المفعمة بآليات التطهير الحقيقي من براثن الطاغوت ، ولذلك عندما يختفي الإيمان تنتشر الموبقات ، وعندما يتجلَّى الإيمان تنتشر الفضائل وتنزوي الموبقات .